ابن سعد
116
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
عَبَّاسٍ قَالَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ . دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ . قَالُوا : كَانَتِ الْجُرْفُ مُطِلَّةً عَلَى مَكَّةَ . وَكَانَ السَّيْلُ يَدْخُلُ مِنْ أَعْلاهَا حَتَّى يَدْخُلُ الْبَيْتَ فَانْصَدَعَ فَخَافُوا أَنْ يَنْهَدِمَ . وَسُرِقَ مِنْهُ حِلْيَةٌ وَغَزَالٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ عَلَيْهِ دُرٌّ وَجَوْهَرٌ . وَكَانَ مَوْضُوعًا بِالأَرْضِ . فَأَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ فِيهَا رُومٌ . وَرَأْسُهُمْ بَاقُومُ . وَكَانَ بَانِيًا . فَجَنَحَتْهَا الرِّيحُ إِلَى الشُّعَيْبَةِ . وَكَانَتْ مَرْفَأَ السُّفُنِ قِبَلَ جُدَّةَ . فَتَحَطَّمَتِ السَّفِينَةُ . فَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى السَّفِينَةِ فَابْتَاعُوا خَشَبَهَا وَكَلَّمُوا الرُّومِيَّ بَاقُومَ فَقَدِمَ مَعَهُمْ . وَقَالُوا : لَوْ بَنَيْنَا بَيْتَ رَبِّنَا . فَأَمَرُوا بِالْحِجَارَةِ تُجْمَعُ وَتُنَقَّى الضَّوَاحِي مِنْهَا . فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْقُلُ مَعَهُمْ . وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً . وَكَانُوا يَضَعُونَ أُزْرَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ . وَيَحْمِلُونَ الْحِجَارَةَ . فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلُبِطَ بِهِ وَنُودِيَ : عَوْرَتُكَ . فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا نُودِيَ . فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَأْسِكَ . [ فَقَالَ : مَا أَصَابَنِي ما أصابني إلا في تعدي ] . فما رؤيت لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَوْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ . فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى هَدْمِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ : لا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلا طَيِّبًا . لَمْ تَقْطَعُوا فِيهِ رَحِمًا . وَلَمْ تَظْلِمُوا فِيهِ أَحَدًا . فَبَدَأَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِهَدْمِهَا . وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا يَطْرَحُ الْحِجَارَةَ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَمْ تُرَعْ إِنَّمَا نُرِيدُ الْخَيْرَ . فَهَدَمَ وَهَدَمَتْ مَعَهُ قُرَيْشٌ . ثُمَّ أَخَذُوا فِي بِنَائِهَا . وَمَيَّزُوا الْبَيْتَ . وَأَقْرَعُوا عَلَيْهِ . فَوَقَعَ لِعَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ إِلَى رُكْنِ الْحِجْرِ وَجْهُ الْبَيْتِ . وَوَقَعَ لِبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ مَا بَيْنَ رُكْنِ الْحِجْرِ إِلَى رُكْنِ الْحِجْرِ الآخَرِ . وَوَقَعَ لِتَيْمٍ وَمَخْزُومٍ مَا بَيْنَ رُكْنِ الْحِجْرِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ . وَوَقَعَ لِسَهْمٍ وَجُمَحٍ وَعَدِيٍّ وَعَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَى الرُّكْنِ الأَسْوَدِ . فَبَنَوْا . فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى حَيْثُ يُوضَعُ الرُّكْنُ مِنَ الْبَيْتِ قَالَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ نَحْنُ أَحَقُّ بِوَضْعِهِ . وَاخْتَلَفُوا حَتَّى خَافُوا الْقِتَالَ . ثُمَّ جَعَلُوا بَيْنَهُمْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَضَعُهُ . وَقَالُوا : رَضِينَا وَسَلَّمْنَا . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ . فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : هَذَا الأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِمَا قَضَى بَيْنَنَا . ثُمَّ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ . فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِدَاءَهُ وَبَسَطَهُ فِي الأَرْضِ . ثُمَّ وَضَعَ الرُّكْنَ فِيهِ . [ ثُمَّ قَالَ : لِيَأْتِ مِنْ كُلِّ رُبُعٍ مِنْ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ رَجُلٌ ] . فَكَانَ فِي رُبُعِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ . وَكَانَ فِي الرُّبُعِ الثَّانِي أَبُو زَمْعَةَ . وَكَانَ فِي الرُّبُعِ الثَّالِثِ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ . وَكَانَ فِي الرُّبُعِ الرَّابِعِ قَيْسُ بْنُ عَدِيٍّ . ثُمَّ قال